الشيخ محمد رشيد رضا

25

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وَاخْشَوْنِي أنا فلا تعصوني بمخالفة ما جاءكم به رسولي عني فإنني القدير على جزائكم بما وعدتكم وأوعدتكم وقد وعدت الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات بأن أمكن لهم دينهم الذي ارتضيت لهم ، وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا ، وإنني لا أخلف الميعاد والآية ترشدنا إلى أن صاحب الحق هو الذي يخشى جانبه وأن المبطل لا ينبغي أن يخشى ، فان الحق يعلو ولا يعلى ، وما آفة الحق الا ترك أهله له ، وخوفهم من أهل الباطل فيه ، وذكر الأستاذ الامام هنا من له شبهة حق كصاحب النية السليمة يشتبه عليه الامر فيترك الحق لأنه عمي عليه ، ولو ظهر له لأخذ به ، وهو أيضا لا يخشى جانبه خلافا لما فهم بعض الطلاب من كلام الأستاذ ، وانما استثناه من مشاركة الظالمين في عدم المبالاة به ، فأولئك لا يخشون ولا يبالي بهم ، وهذا لا يخشى على الحق ولكنه يبالي به ، ويعتني بأمره ، بتوضيح السبيل ، وتفصيل الدليل ، لما يرجى من قرب رجوعه اليه إذا عرفه . وقوله ( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) يعم اليهود ومشركي العرب والمنافقين خلافا لمن قالوا إنهم المشركون خاصة ، مع أنهم فسروا السفهاء بما يعم الفريقين أو الثلاثة ، وما هؤلاء الذين ظلموا الا أولئك السفهاء الذين اعترضوا ثم ذكر العلة أو الحكمة الثانية فقال وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ باستقلال قبلتكم في بيت ربكم الذي بناه جدكم ، وجعل الأمم فيها تبعا لكم . وبيانه ان هذا النبي عربي من ولد إبراهيم وبلسان العرب نزل عليه الكتاب وهم قومه الذين بعث فيهم أولا وظهرت دعوته فيهم وامتدت منهم وبهم إلى سائر الأمم ، وكانوا إذا آمنوا يحبون أن تكون وجهتهم في عبادتهم بيتهم الحرام ، وان يحيوا سنة إبراهيم بتطهيره من عبادة الأصنام ، لأنه معبدهم ، وأشرف أثر عندهم ، ينسب إلى أبيهم إبراهيم الذي بناه ورفع قواعده لعبادة اللّه تعالى ، وهو شرفهم ومجدهم ، وموطن عزهم وفخرهم ، فأتم اللّه عليهم النعمة باعطائهم ما يحبون ، وتوجيه جميع شعوب الاسلام إلى بلادهم إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، وفي ذلك من الفوائد المادية والمعنوية ما لا يحصى من النعم . نعم إن كل أمر من اللّه تعالى فامتثاله نعمة ولكنه إذا كان فيه حكمة ظاهرة وشرف للأمة يتعلق بتاريخها الماضي ، وبمجدها